الشيخ محمد هادي معرفة

231

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لخفاء سببه ، يصوّر الشيء بخلاف صورته ويقلبه عن جنسه في الظاهر ولايقلبه عن جنسه في الحقيقة ، ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى : « يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى » ؟ « 1 » وقال المجلسي العظيم - في كلامٍ له عن السحر ناظرٍ إلى ما ننقله عن ابن‌خلدون - : وأمّا ما يذكر من بلاد الترك أنّهم يعملون ما يحدث به السُحُب والأمطار فتأثير أعمال هؤلاء الكفرة في الآثار العلوية وما به نظام العالم ممّا تأبى عنه العقول السليمة والأفهام القويمة . ولم يثبت عندنا بخبر من يوثق بقوله . « 2 » وفي حديث الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام مع أحد الزنادقة ، سأله : أفيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة كلب أو حمار أو غير ذلك ؟ قال عليه السلام : هو أعجز من ذلك وأضعف من أن يغيّر خلق اللّه . إنّ من أبطل ما ركّبه اللّه وصوّره وغيّره ، فهو شريك اللّه في خلقه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . قال عليه السلام : لو قدر الساحر على ما وصفت ، لدفع عن نفسه الهرم والآفة والأمراض [ بسحره ] ولنفى البياض عن رأسه والفقر عن ساحته . « 3 » والعجب من بعض الكتّاب العصريّين جنح إلى ترجيح الرأي القائل بحقيقة السحر وأنّ له واقعا يؤثّر في قلب الواقعية حقيقة ، واقتفى في ذلك بعض أقوال القدماء فيما نقلوه من حكايات هي أشبه بالخرافات منها بالواقعيات . هذا الأستاذ محمّد فريد وجدي ينقل أوّلًا عن مقدّمة ابن‌خلدون اعترافه بحقيقة السحر ، ثم يعقّبه باستنكار الغربيّين ويحمل عليهم بأنّهم قاصرو النظر في إطار من المادّيات ويجعلون العالم كلّه في دائرة أضيق من سمّ الخياط . وأخيرا يرجّح أنّ له حقيقة ويذكر له شاهدا في قصّةٍ خيالية . وإليك بعض كلامه ونُقُوله عن ابن‌خلدون وغيره : قال ابن‌خلدون في مقدّمته : السحر ، علم بكيفية الاستعدادات تقتدر النفوس البشرية

--> ( 1 ) - مجمع البيان ، ج 1 ، ص 170 . ( 2 ) - بحار الأنوار ، ج 60 ، ص 41 - 42 . ( 3 ) - كتاب الاحتجاج للطبرسي ، ج 2 ، ص 82 ط نجف .